علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي
588
شرح جمل الزجاجي
وفي هذا الضرب من المصادر القائمة مقام الحال خلاف بين سيبويه وأبي العباس . فمذهب سيبويه أنّ ذلك موقف على السماع ، ومذهب أبي العباس أنّ ذلك مقيس ، إذ كان الفعل دالّا على المصدر ، نحو : " أتيته ركضا وعدوا ومشيا " ، ألا ترى أن الركض والعدو من جنس الإتيان ، ولا يجوز : " جاء زيد ضحكا " ، لأنّ الضحك ليس من قبيل المجيء . والصحيح ما ذهب إليه سيبويه ، وذلك أنّ المصادر المنتصبة بإضمار لا بد لها من تقدم ما يدل على الفعل المضمر ، إلّا أن تكون المصادر موضوعة موضع فعل الأمر ، فلا تحتاج إلى شيء من ذلك ، لأنّ الحال يبيّن إذ ذاك الفعل المضمر ، نحو قوله : فَضَرْبَ الرِّقابِ " 1 " ، وأنت إذا قلت : " جاء زيد ركضا " ، ف " ركضا " ليس في موضع فعل الأمر ، ولا تقدم ما يدل على فعل الأمر ، ولا تقدم ما يدل على الفعل المضمر ، لأن المجيء قد يكون ركضا وغير ركض ، فإذا قلت : " ركضا " ، لم يكن فيما تقدم ما يدل على الفعل المضمر ، ولا يلزم من حيث كان الركض من قبيل الإتيان أن يكون في ذكر الإتيان دلالة عليه ، فلذلك كان مذهبه فاسدا ، بل ينبغي أن يكون هذا موقوفا على السماع لخروجه عن القياس فيما ينتصب بفعل مضمر . ويجوز أيضا في هذه المصادر التي تقدمها فعل من جنسها أن تكون منتصبة على المصدر للأفعال المتقدمة على المعنى . فقولك : " أتيته ركضا " بمنزلة قولك : " ركضت ركضا " . وفي ذلك خلاف بين النحويين . منهم من زعم أنّه منصوب بفعل من لفظه يدل عليه الفعل المتقدم . ومنهم من زعم أنه منصوب بالفعل المتقدم . وهو الصحيح ، لأنّه طالب له من جهة المعنى ، فلا فائدة في تكلف الإضمار . قوله : " ومنها ما جاء منصوبا توكيدا ، وهو قولهم : له عليّ ألف درهم اعترافا ، هو نفس الاعتراف " فقوله بعد ذلك : " اعترافا " توكيد ، فهو إذن من المصادر الموضوعة موضع الفعل لقيامه مقام " اعترف " ، الذي هو في موضع الحال . والعامل فيه ما في " له " من معنى الفعل . فليس من هذا الباب إلّا على ما تقدم من لحظ الأصل ، وذلك فاسد لأنّ الأصل قد رفض .
--> ( 1 ) سورة محمد : 4 .